الراغب الأصفهاني
316
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وَالنَّسْلَ « 1 » ولهذا وصف اللّه تعالى قوم لوط بالإسراف فقال : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ « 2 » . وأما العشق الشهوي فحماقة وجهل بما وضع لأجله الجماع وتجاوز لحد البهائم في عدم ملكة النفس وذم الهوى فإن المتعشق لم يرض بإرادة لذة الباه التي هي من أسمج الشهوات حتى أرادها من موضع واحد ، فازداد بذلك عبودية على عبوديّة وذلة على ذلة فالبهيمة أحسن حالا منه لأنها إذا أسقطت الأذى عن نفسها بالسفاد سكنت فصارت إلى الراحة وهو لم يرض بذلك حتى استعان بالعقل في خدمة الشهوة واستجلا بها ، وإنما أعطاه اللّه تعالى العقل ليقمع به الشهوة القبيحة لا ليجعله خادما لها وساعيا في حمقتها ، فتعاطي العشق حال كل جاهل فارغ سيما إذا نظر في أخبار العشاق وجالسهم وربما يؤدي بالعاشق الحال إلى الرق ، والذبول بل إلى الموت . قال الشاعر : لو فكر العاشق في منتهى * حسن الذي يسيبه لم يسبه ومن أثار شهوته فهو كمن يثير بهائم عادية وسباعا ضارية ثم يلتمس دفعها وقمعها والخلاص من شرها ، وقد كان فيما يهيج من باعث الطبيعة كفاية عن إثارتك بالفكرة والروية فمن أعان الطبيعة على ذلك فهو كما قيل : كلما أنبت الزمان قناة * ركب المرء في القناة سنانا « 3 » وقد قال حكيم لتلميذ له وقد كان هوى جارية هل تشك في أنك لا بد أن تفارقها يوما ما ؟ « 4 » . فقال لا ، قال فاجعل تلك المرارة المتجرّعة في ذلك
--> ( 1 ) البقرة / 205 . ( 2 ) الأعراف / 81 ( 3 ) ديوان المتنبي / 474 . ( 4 ) حاولنا هنا أن نقيم عبارة مستقيمة من جميع النسخ .